محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

256

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وإدراكاتهم عقلا وإدراكا أرفع منها ، وأنّ في الجسمانيات ما يسبق الروحانيات فضلا وعقلا وإدراكا وفهما ، وهذا من عجيب لطفه وصنعه ، ولطيف صنائعه وبدائعه ، ولن يستقيم ذلك على مذهب الصابئة والفلاسفة ؛ فإنّ الروحانيات لا تقصر عن الجسمانيات عند الصابئة ، ولذلك أنكروا الرسالة في الصورة البشرية ، وإنّ العقول المفارقة لا تتقاصر عن العقول الممازجة ، ولذلك أنكروا النبوّة في الأمزجة الإنسانية . وسرّ آخر : أنّ الخلافة عن اللّه تعالى في الأرض ابتدأت من آدم - عليه السلام - ولم تنقطع ولا تنقطع إلى يوم القيامة وما خلق اللّه تعالى مضلّا إلّا ونصب بإزائه هاديا ، ولا قيّض شيطانا إلّا وأنهض بإزائه مرشدا وسلطانا ، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وإنّما توارثها الأنبياء - عليهم السلام - بطنا بعد بطن وقرنا بعد قرن ، وكان الماضي منهم مبشّرا بالغابر ، ومصدّقا لمن بين يديه من الرسل ، ولما بين يديه من الكتب ؛ وفي زمان واحد من خلفاء الأرض قوم حكمهم حكم الملائكة في التسليم ، وقوم حكمهم حكم الشيطان الرجيم من الاستكبار العظيم ، وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وكما كان بين كلّ نبيّ ونبيّ وزمان وزمان أئمّة يدعون إلى الخير ، وأئمّة يهدون بأمر اللّه ، كذلك بين نبيّ الرحمة خاتم النبيين وبين الساعة أئمّة يهدون بالحقّ ، وبه يعدلون ؛ فلا يخلو زمانه - صلّى اللّه عليه وآله - عن أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وعن أئمّة يهدون بأمر اللّه وعن الصادقين الذين أمرنا بالكون معهم ، والاستماع منهم ، والطاعة لهم ، والردّ إليهم . وكما كان لكلّ نبيّ عدوّ شياطين الإنس والجنّ كذلك لكلّ وليّ من أولياء اللّه تعالى عدوّ من شياطين الإنس والجنّ ، والشقاق والنفاق ، إلى أن يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين . قال - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « لتسلكنّ سبل الأمم قبلكم حذو ( 110 ب ) القذّة بالقذّة والنعل بالنعل حتّى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه » 493 وقال داود - عليه السلام - : « مثل ما كان سيكون ومثل ما حدث سيحدث وليس تحت الشمس أمر جديد » وقد قال اللّه - عزّ وجلّ - : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ وقال فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ فقصة آدم والملائكة واللعين الأوّل جارية في الأزمان كلها والأدوار بأسرها إلى القيامة يوم الفصل بالقول والفعل .